تُعَدُّ الصحة النفسية في تونس موضوعًا حيويًا يتطلب اهتمامًا متزايدًا، نظرًا لتزايد معدلات الاضطرابات النفسية وتأثيرها المباشر على جودة حياة الأفراد والمجتمع ككل.
تشير الإحصائيات الحديثة إلى أن 30% من التونسيين يعانون من اضطرابات نفسية، مع معاناة 40% منهم من أمراض عضوية ناتجة عن مشاكل نفسية، مثل آلام الرأس والظهر واضطرابات الجهاز الهضمي .
و خلال السداسي الاول من سنة 2024 تم تسجيل 75 حالة إنتحار انتحار ومحاولة انتحار و في الربع الاخير من نفس السنة تم تسجيل 22 حالة و محاولة انتحار ، وكانت الفئة العمرية للشباب هي الأكثر تضررًا، حيث شكل الذكور أكثر من 80% من هذه الحالات ، إضافة الى ذلك يعاني حوالي 20% من الأطفال والمراهقين في تونس من اضطراب القلق، مما يبرز الحاجة الملحّة لتوفير الدعم النفسي لهذه الفئة العمرية .
تُظهر هذه الأرقام الحاجة الماسّة لتطوير استراتيجيات وطنية شاملة تهدف إلى تعزيز الصحة النفسية، وتوفير الدعم اللازم للمصابين، والحد من الوصمة الاجتماعية المرتبطة بالاضطرابات النفسية.
الأسباب :
يؤكد المختصون ان أسباب ارتفاع الاضطرابات النفسية في تونس تعود الى عدة عوامل رئيسية ، أبرزها :
* التدهور الاقتصادي والاجتماعي: البطالة، غلاء المعيشة، وتدني الأجور تزيد من الضغوط النفسية.
* الاضطرابات السياسية وعدم الاستقرار: الأحداث السياسية المتقلبة تؤثر على الإحساس بالأمان والاستقرار النفسي.
* العوامل العائلية والتربوية: المشاكل الأسرية، العنف المنزلي، والتفكك الأسري تساهم في تفاقم الأمراض النفسية.
* ضغوط العمل والدراسة: كثرة المسؤوليات وقلة فرص النجاح تؤدي إلى القلق والاكتئاب.
* التغيرات المناخية والكوارث الطبيعية: تؤثر على الصحة النفسية، خاصة لدى الفئات الهشة.
* وصمة العار المرتبطة بالعلاج النفسي: خوف الناس من زيارة الأطباء النفسيين بسبب النظرة المجتمعية السلبية.
* التأثيرات الرقمية ووسائل التواصل الاجتماعي: زيادة المقارنات الاجتماعية والتأثر بالمحتوى السلبي.
الحلول :
و يرى المختصون في مجال الصحة النفسية ان الحلول يجب ان تتظافر على المستويين الفرد و الجمعي ، حيث يجب تعزيز الوعي النفسي من خلال نشر ثقافة الاهتمام بالصحة النفسية والتوعية بأهمية زيارة المختصين ، إضافة الى تحسين أنماط الحياة بممارسة الرياضة و اتباع نظام غذائي صحي و تنظيم النوم لتقليل التوتر مع تنمية مهارات التأقلم ، مثل تقنيات الاسترخاء، التأمل، والتعبير عن المشاعر بطرق صحية.
اما بالنسبة للحلول على المستوى المجتمعي يجب مكافحة الوصمة الاجتماعية عبر حملات توعوية لتشجيع الناس على طلب المساعدة النفسية دون خوف ، مع تعزيز الدعم الأسري والاجتماعي من خلال توفير بيئة داعمة داخل العائلة وأماكن العمل والمدارس.
و إدماج الصحة النفسية في المؤسسات التعليمية عبر تقديم حصص توعوية وبرامج دعم نفسي للطلاب.
و بالنسبة للحلول على مستوى مؤسسات الدولة يجب العمل على تطوير خدمات الصحة النفسية من خلال زيادة عدد الأطباء النفسيين وتحسين مراكز العلاج النفسي في المستشفيات وإدراج الصحة النفسية في التأمين الصحي من أجل تسهيل وصول المواطنين للعلاج النفسي بأسعار معقولة مع خلق برامج تشغيل ودعم اقتصادي للحد من التوتر الناجم عن البطالة والفقر.
لا شك أن الصحة النفسية حجر الأساس لرفاهية الأفراد واستقرار المجتمعات، إلا أن ارتفاع معدلات الاضطرابات النفسية والانتحار في تونس يُبرز الحاجة الملحّة لاتخاذ تدابير جدية وشاملة.
و رغم التحديات الاقتصادية والاجتماعية، يمكن من خلال تعزيز الوعي، تحسين الخدمات الصحية، ودعم السياسات الحكومية، توفير بيئة أكثر صحة نفسية للتونسيين.
وفي هذا الإطار، أعلنت وزارة الصحة أنه، ضمن البرنامج الوطني للصحّة النفسية، سيتم تقديم استشارات نفسية مجانية عبر الرقم 80105050، بالتنسيق مع الخلية المركزية للإحاطة النفسية الطارئة.
وقد تلقت هذه الخلية، في أيامها الأولى، مئات المكالمات من مختلف الفئات العمرية، مما يعكس ارتفاع الوعي بأهمية الصحة النفسية لدى التونسيين، وكسر جزء من حاجز الوصمة المرتبطة بالعلاج النفسي.
إن الاهتمام بالصحة النفسية ليس رفاهية، بل ضرورة يجب أن تتضافر الجهود لتحقيقها، لضمان مستقبل أكثر استقرارًا وازدهارًا لجميع افراد المجتمع.