ينتهي مسلسل "حياة"، بمشهد امرأة غامضة تظهر في العتمة، تخاطب «مختار» زعيم العصابة وهو في زنزانته عبر الهاتف بلغة إيطالية غير مفهومة، فيحطم هذا المشهد النهاية السعيدة التي تحققت قبل ذلك بانتصار الخير على الشرّ وسيادة القانون، الفكرة ذاتها رأيناها من قبل في عدة أعمال درامية قدمتها التلفزة الوطنية، مثل "الدوامة" و"ناعورة الهواء" على سبيل الذكر لا الحصر لا نتحدث هنا عن النهايات المفتوحة التي تمهد لأجزاء أخرى من القصة ذاتها، بل عن فكرة نمطية واحدة تتكرّر في أعمالنا الدرامية: الربط بين الجرائم الاقتصادية والجرائم السياسية، ونسبتها إلى رجال أعمال فاسدين يتلقون الأوامر من الخارج، لأن مصالحهم الفردية والعائلية تقتضي إشاعة الفوضى وتخريب المجتمع.
هذه الفكرة التي تتكرر من موسم إلى آخر هي فكرة السلطة، وروايتها الرسمية لتفسير الانهيار القيمي والسياسي في بلادنا لا سيما بعد 2019، حيث أصبح ممكنا باستخدام نظرية المؤامرة ربط كل الأحداث بعضها ببعض، وتحميل الطبقة البورجوازية (اللوبيات) مسؤولية الثورة المضادة والتهريب وغسيل الأموال والاتجار بالبشر والمخدرات وبيع الأعضاء وشراء الذمم في الانتخابات تحت إشراف جهات أجنبية غامضة. تستخدم السلطة وسائل الإعلام في الدعاية لتوجهاتها واستراتيجياتها.
وتجد في الغالب من يكتب لها أفكارها في قوالب تمثيلية، وكلما هيمن الواقع على الخيال ارتفع منسوب الرداءة والفشل، وفي خزينة التلفزيون الكثير من الأعمال المتوسطة والرديئة التي أنتجت بغرض البروباغندا، ولم تحتفظ بها الذاكرة طويلا، منها مسلسل عنوانه "حكايتي مع الرمال" أنتج في بداية الثمانينات للتعريف بأهمية مقاومة التصحّر! ومسلسل (الفرقة 27) الذي قيل إنه لتكريم الجيش الوطني وكأن ذلك وحده يكفي للتساهل مع الرداءة.
نقطة القوة في مسلسل "المطبعة" نهايته، فقد اشتغل عليها مهدي الهميلي بطريقة مختلفة إلى الحدّ الذي جعل الحلقة الأخيرة تبدو أشبه بشريط سينمائي، هي مجموعة نهايات تتوارد بعد أن تكون حيوات الأبطال ومساراتهم قد اكتمل تشكلها في ذهن المتفرج، وعبارة الأبطال هنا مقصودة بالمعنى التراجيدي الأصلي لعلاقتها بمختلف أوجه الصراع التي عكسها المسلسل، والتي تنتمي كلها إلى جذر مركزي واحد صراع بين الخير والشر.
ا يتجلى فقط في مستوى الرواية البوليسية حيث يلاحق رجال الأمن الطيبون المارقين عن القانون لإعادة ميزان العدالة إلى نصابه المفترض، بل يتجلى بأكثر حدة في تمزق الذات الواحدة وانشطارها بين عدة متناقضات تتعايش داخلها المعيار الرئيسي في الصراع الداخلي الذي يعيشه الأبطال بين الالتزام والتمرد، بين الانضباط والثورة، بين الطاعة والرفض لم يكن مسقطا من الخارج أي من السلطة والمجتمع ومن الأعراف، بل من داخل "المطبعة" بوصفها عالما روائيا مغلقا له قوانينه الخاصة ومرجعياته الذاتية، فلم تُحترم في هذا المسلسل القاعدة الأخلاقية المرجعية التي تفضي إلى تلك النهايات الكلاسيكية المعتادة (انتصرنا لكن المعركة متواصلة)، فثلاثة أبطال انتهى بهم التمزق الداخلي إلى أن يعاقبوا أنفسهم ، السياسي الذي أعلن انسحابه من الانتخابات والشرطي الذي أطلق النار على نفسه وخولة التي استدعت الشرطة وهي تدخن أمام المسرح البلدي وتقول لهم وهم يقيدون يديها (أنا سلمت نفسي ولم تلقوا علي القبض) أما نجيب فقد أفلت من العقاب وانتصر على الدولة التي انتهك قانونها وزيف عملتها، ولم يكن هذا الانتصار دون سند فكري من داخل العالم الروائي الذي اختصرته "المطبعة" بوصفها فضاء ورمزا، سند لا يقدم فقط مبررات بل يدافع عن الذات وينتصر لها كما يظهر في الحوار العائلي الأخير الذي يكشف فيه نجيب هشاشة الحدّ الفاصل بين الفن والجريمة فينفصل عن الجميع في تجربة الموت المزيف وأخيرا يخرج من التابوت، كأنما ولد من جديد!